منفى

7/24/2015 Marcell 1 Comments

عدسة شاب حلبي



قرأت كل ما كتب في الجمهورية عن المنفى، وتألمت مع القصص قدر ما استطعت وتملكتني رغبة الكتابة عن منفاي ولكن لسبب لست أدريه بدأت أولى ملامح اغترابي مع لغتي ولست أمتلك من الثقة ما يكفي لأقول أن ما أكتبه اليوم هو أنا تماما ً، ولذا أشاركهم كتابتهم عن المنفى ، من زاوية آمنة .. ربما ككل شيء يتسم فيه منفاي .. البحث الدائم عن زاوية "آمنة
".
أبدأ عن المنفى من فلسفة بدءه الزمني، عشت طيلة حياتي في مدينة حلب أو هكذا اعتقدت، لحلب التي اعتدت أن أعرفها وجه واحد لا فقر فيه ولا اختلاف .. شوارع محددة جدا ً ضمن دائرة مغلقة يسكن أبعد معارفي عشر دقائق بالسيارة، واعتقدت أنني أعرفها "حلب " وصدقت ان هذه الدائرة هي حلب وتفاجئت "باستشراق داخلي " أن حلبي لم تكن حلب كلها.


 أمن حينها وأنا أحيا المنفى ؟ أو ليس هذا انتقاص لأهمية الاقتلاع الذي نحياه الآن ؟ 


أحاول أن أكتب لكم سرداً تاريخيا ً عن متى غادرت حلب لأول مرة، وتهت في التواريخ التي لم أعد أذكرها وعدت إلى أوراقي لأقرر هل مغادرتي دائرتي تلك هو بداية الرحيل دفعا ً باتجاه الحدود التركية .. أم أن مغادرتي حلب كلها دون عودة هو النقطة المحورية في القصة ؟غادرت حلبي للمرة الأولى لأحيا الاختباء في بيوت الأصدقاء.. لا أمان هناك أبدا ً، لا من مداهمات الأمن بعد رحيلي عملا ً بوشاية الواشين ولا من عيون أهالي الأصدقاء القلقة.

 الانتقال إلى المحرر كان بدوره تجربة لا أمان فيها، كان عليك أن تواجه في الصميم عمق أسئلتك حول طبيعة التحرير ؟ طبيعة الحياة هناك ؟ الأولويات ؟ مسؤوليتك ؟تنتقل إلى هناك تحمل فرحا ً مملوءا ً بأمنيات ساذجة، ها "نحن" نبسط سيطرتنا على مساحات من الأرض السورية، "نحن " المخلصين للشعب من معاناتاه .. نحن جئنا لنرفع عنهم الظلم والاعتقال، جئناهم محملين بالحرية التي بها حلمناتأخذك فترة لتقابل قباحتنا ، فلا رفعنا الظلم ولا جئنا بالحرية وفي لحظة حقيقة تقول لنفسك "نحن " لسنا " نحن " تماما ً، إنما هم من جاؤوا و"نحن " بقينا خارجا ً. امن هنا كان منفانا عن ثورتنا ؟لا أمان هناك أبدا ً ، لا من قصف البراميل المتواصل ولا من عيون الأهالي المملوءة بالخيبة، خيبتهم بنا " بنا جميعا ً ".


 ثم جاؤونا أيضا ً إلى تلك المساحة، بغرابتهم وجنون تطرفهم، كان علي العودة إلى الاختباء مجددا ً..
ها قد قدم المقاتلون الشرسون ، أولئك الذين هم معدوّن أكثر "منّا" للمعركة. مرتان شعرت وضوحا ً أنهم لربما أكثر جذرية مني في الأرض ربما.
حينما طلب أحدهم" الأردني الجنسية" من الأطفال في الحي رميي بالحجارة لأني سافرة، والمرة الثانية عندما سألني "سعودي " كيف أسمح لنفسي أن أمشي "هكذا " هنا ؟له هناه أكثر مني ويستطيع بقوة بارودته أن يستشعر أمنا ً لا أحياه، أو ليس هذا أيضا ً منفى ً ما ؟ وخرجت ، أو أخرجت .. لست أدريلا زلت حتى اللحظة أقع بالحيرة بين ان أدعي ما أنا فيه "المنفى" ، وهذا اعتراف مني بأن لا مكان لي هناك وأن لا طريق للعودة ، ليس على الأقل كما أنا ، أو كيف أفكر .. أو حتى كيف أبدوأم هل أدعيه غربة لأحمل ذنب الرحيل وأتمسك بأمل العودة.


 هنا لا أمان أيضا ً، بحثت طويلا ً عن بيت يشبه بيت أهلي وطعام يحمل مذاق حلب وموسيقا تعيد الروحبعناد رفضت تعلم لغة المحيط، لست معنية أبدا ً أن أندمج هنا .. لا جزء من جذوري مسموح له أن ينغرس عميقا ً في تربة بعيدة عن الوطن ..


لست أدري عن أي وطن أتحدث ؟ دائرتي القديمة ؟ ثورتي ؟ غرابتي ؟عن وطن متخيل هو أجمل وأقل إيلاما ً مما عهدناه ؟عن أي وطن أتحدث ؟ كل ما تبقى لدي هناك هو قبران عائليان وقبور أصدقاء وبيوت مكدسة بالصناديق ؟ ربما هذا هو المنفى .. هو نكوص زماني للعودة إلى ما لم يعد أصلا ً هناك لأجل أن تعود إليه. هو ذاك الأمان الذي تبحث عنه ولا تجده