وتغيرنا ..

1/15/2014 Marcell 0 Comments



أتدرك في أروقة تلك المدارس كم مرّة تمنيت لو أنني أجد الطفل الذي فيك ليلاعب الطفلة في التي لم تكبر رغم كل شيء ؟
شهرٌ فقط قد مضى ولا أذكر كيف التقينا،
,لا تدع ذلك يعكر مزاجك أبداً، وإن كان هذا سيجد لي بعض العذر فأنا لا أذكر نفسي قبل هذا الشهر؟ كيف كنّا قبله يا ترى ؟ جميلين ؟ مفعمين بالأمل ؟ ثملين بالحرية ؟ هل كنا متعبين من الأشياء اليومية والتفاصيل السخيفة حول الحب والجنس والسياسة ؟
مشغولة بالترف الفكري حول الإلحاد والعلمانية والدين وجرائم الشرف ومشغول أنت بعملك وغزوات نسائك ؟

شيءٌ واحدٌ أستطيع تذكره عن مرحلة ما قبل القذيفة الأولى على المدينة .. هو كم كنا أكثر إنسانية
هل تذكر كيف كنا جميعنا قادرين على البكاء على قصة النزوح الأولى، قادرين على الشتم مع أول قذيفة .. وآخر رصاصة

آخ .. كم تغيرنا ، اليوم نتابع حياتنا ونتجاهل مع قليل من الذنب كل القصص المؤلمة التي من حولنا وأضحت كل الأصوات الحربية التي لا تهدأ في مدينتنا ليل نهار مجرد خلفية لأحاديثنا و نقاشاتنا وحتى خلفية لبريق الألق لدى تمازج نظراتنا ..
خلفية لا تزعجنا .. يا صديقي لقد تعودّنا .. ونحن لا نتعود القباحة إلا بأن نخسر كل ما هو جميلٌ فينا 
أتذكر كم أفزعنا الطفل الأول الذي اغتالوه ؟  أتذكر حمزة أو هاجر ؟
اليوم لم نعد نحفظ أسماء أطفالنا الشهداء
أتشعر يا صديقي كم تعودنا على الجثث المتفحمة، والدفن الجماعي والدمار
لم يعد هناك ما يثير دهشتنا إلا قدرتنا على البقاء أحياء ..

شهرٌ مضى ولست أدري كم انتصرنا وكم انتصروا ولست أهتم، لست أعرف بعد من نحن ومن هم، ولم أعد أدرك لم يبدو بعض ممن عليّ أن أشعر أننا سوية في جبهة واحدة أكثر وحشية من العدوّ ..
يا ألهي .. كم أخشى أن يقتلوا الكثيرين منّا وأن يتركوا من تبقى مصاباً بشراهة الدم ..
شيءٌ أدركه تماماً أنهم سينتصرون حينها علينا، أن فوزهم الساحق هو مقدار ما استطاعوا إصابتنا بعدوى قباحتهم..
ولذا يعد كل ما أعيشه معك من تفاصيل جميلة ومشاعر دافئة جزءاً من مقاومتي التحول إلى الوحش الذي يريدونه، أنت وحضورك فيّ جزء من ثورتي على قباحتهم ..
نعم أنا أحتاجك جداً كي أبقى جميلة ..
انت وقايتي المطلقة من أشعة الكراهية..
فهلا غطيتني بك ؟



دعني أرو لك قبل صاعقة مرورك فيّ، الأفكار التي راودتني في المرة الأولى التي لوثت مسمعى أصوات القصف القريبة التي تنطلق من مدافع حلب إلى ريفها  
كيف ارتسمت في مخيلتي بوضوح ملامح الطفل الخائف الذي أمسك بيد دميته واختبئ وراء أهله، ذعرٌ سيحفر فيه طويلاً حتى لو فشلت القذيفة أن تصيب طفولته، حاولت توقع اسمه، أحلامه عندما يكبر، الجرح في ركبته الناجم عن شقاوته في اللعب وكم أثار هذا الجرح قلق والدته.. وكم وكم عليها أن تقلق عليه الآن أضعافاً مضاعفةً. 

استطعت تخيل أوراق قرض البنك الخاص ببيت آخر في تلك الضيعة، كم خبأ واقتصد الزوجان للحصول على هذه الغرفة الإضافية، وحاولت استجماع كل ما أعرفه عن الألم لأدرك معنى أن يقتلع هذا الحلم بالمدفعية، وكيف تستطيع يد سوريّة أن تحصد ذكريات عائلة سورية أخرى بتلك البساطة وبذلك الحقد.. وبثانيةَ واحدة 
بذات الثانية ربما التي أشبعتني فيها نظرتك بالأغراء الشهي بالارتماء فيك .. 
خيالات وخيالات .. 

دعني أرو لك قبل أن تشوهنا الخيبات المتتالية كيف كان للمعتقلين وجوه توجعنا، وللشهداء أمهات نبكي معهنّ ونتعهد أن نكون كلنا أبنائهن .. ولكن الوعود أثقلت أكتافنا حتى أصبحنا اليوم..بلا ذاكرة أو صور أو خيالات .. بلا وجوه أو آهات تترافق مع القصف.. 

أصبحنا كتلا ً باردة تنتظر أوان ذبحها، قليل من التململ .. قليل من اللاشعور، لقد سرق البربر يا صديقي حينما اجتاحوا مدينتنا وسمائها قدرتنا على التخيل، 
مجرد أصوات حربية .. بوم بوم تك تك، مجرد أصوات حربية تشبه أحيانا ً دقات قلبي عندما أمسك بك بالجرم المشهود متلبساً بتهمة التحديق في وجهي .. 
بوم بوم تك تك .. 


أتعرف ما هو جميل وحقا ً حول الكتابة عنك؟ أنني وللحظة اقترافي خطيئة الكتابة عنك في زمن الثورة أحاول استحضار كل قدراتي على التنبؤ بمن أنت حقاً، فأنت وللحظة كتابة هذه الكلمات سرٌ مبهم أعشق نزع أوراقه ببطء ...
وتخيل كم من الذنب سيجتاحنا لو تركنا كل الأعاصير التي تزلزل بلدنا لنتعمق بالأعاصير التي قد تنشأ أو لا تنشأ بيننا ..
تخيل كم سيكون من الصعب أن أتعرف بك في زمن يعيد الألم والموت تشكيلنا أشخاصاً جدداً كل يوم فيضيف إلينا أشلاء أيادٍ إضافية ويسرق منا أجزاء وأجزاء من القلب ..

تخيل أن أمتلك كل هذه العاطفة تجاهك وأنا لست أعرف بعد ما درست؟ كيف قهوتك ؟ كيف هم عائلتك ؟ هل أحببت حقاً؟ هل تألمت ؟ ما الذي يجعلك سعيداً من قلبك؟
بالكاد أعرف أسماء أخوتك، أو يوم ميلادك، لا أعرف لم أنت هنا ؟ وما الذي تعنيه لك سوريا الوطن ، الثورة ، الحب ، الجنس؟
كيف أصبحت ثوريا ً؟ كيف تراني .. أو هل تراني أصلاً ؟
لا أعرف شيئاً ولا أمتلك لسوء حظي أو لربما لحسن حظي الوقت الكافي لأعرف كل شيء..
فأنا راحلة .. ولكن هذا حديث آخر سنعود إليه بعد حين ..

 تخيل أن أمتلك كل هذه العاطفة تجاهك وأنا أعرف عنك فقط غيباً عدد التجاعيد التي تحتل جبهتك لكثرة عبوسك، أعرف كيف تمشي ووقع خطواتك وصوت ضحكتك وأميز ابتسامتك الكاذبة عندما تحاول مسايرة الآخرين، أحفظ ما يستفزك وما يرضي غرورك الذكوري ..وكيف تثير المشاعر الإيجابية ارتباكك، أحفظ تماماً انحناءات خطك وطريقتك المميزة في كتابة الأرقام .. كيف تجيد عيناك مغازلة الأنثى غيباً
وأهم من ذلك أحفظ صوتك ..وأعشقه ربما .. 
وفي أزمنة الشحّ الإنساني ّ التي نعيشها في هذه البلد .. يكفيني ما أعرف
يكفيني ما أشعر
لأعتقد أنك أحد أساليب الإضراب على ديكتاتورية الحزن ..

عسى أن ألتقيك في زمان أجمل
مرسيل 
آب  ، 2012