في البدء كانت الثورة

1/14/2014 Marcell 0 Comments



وبعد العقم الذي أصاب لغتي لشهور طويلة هذا إذا ما كنت أحتاجه للعودة إلى ممارسة الكتابة،  ألقٌ من عينيك وانقطاع لكل الوسائل التفريغية في الاتصال حيث لم يتركوا لمدينتي المحاصرة أي منفذ   نحو الآخرين .. لقد قطعوا أيدي المدينة وحاولوا مصادرة صوتها 

فلا انترنت يعمل هنا منذ أسابيع ولا حتى مكالمات هاتفية مع من هم خارجها 
فهي تسير خلف باقي المدن في مسيرة الإصلاح والتي تقتضي أولا ً هدمها تماما ً ..
هذا الحصار كله أعادني إلى الكتابة .. وربما أجبرني أن أمتلأ ضجيجا ًبك .. 

هذا ما كنت أحتاجه أن أشعر أنني عالقةٌ معك وحدك أو للدقة مسجونة داخل عينيك دون أن أعرف حتّى إذا كنت أنت بكليتك محبوسٌ هنا معي تحت القصف أم أنك أساساً عالقٌ في مكان آخر ؟ 
ولأعترف انني لا أعتقد أننا نهتم 
فعلى ما يبدو أن الاعتقال في أقبية عينيك تكيفٌ نفسيّ لا بد منه لتجاوز هذه المرحلة .. 
أعرف تماماً يا صديقي الذي يحاول عقلنة الأمور أن غريزة الخوف وحدها هي التي تدفعني إلى طلب الملجأ داخل عينيك كلما سمعت أصوات الطائرة الحربية تحلق فوقنا، وأنا بكامل ما تركوا لي من قوىً نفسية وعقلية أدرك أن التمسك بذيل حضورك هو كتمسك الغريق بما يعتقد أنه سيتركه على سطح الماء .. وفي حالتي أعتقد أنني أتمسك بظلك كيّ أبقى على سطح الحياة.. 

أنا مدركة يا صاحبي أن تعلقّي بك في زمن الثورة ليس سوى محاولة تأقلم طبيعي مع كل الأشياء اللاطبيعية التي تحيط بنا .. 

أرجوك لا تكسر الوهم الجميل بمحاولتك إسداء النصيحة لي بالتعقل فأنا حتماً أعرف أن ما بيننا مزيج غريب يتراوح ما بين الخضوع للضغط النفسي إلى الحاجة إلى الحنان  وأن التعمد بزرقة عينيك هو محاولة لغسيل رائحة الموت عن أجسادنا .. لا أكثر 
فدعك من التعقيد واسمعني ...

شهرٌ واحد قد مضى فقط *، منذ لقائنا الأول الذي لا أذكر أي من تفصيلاته الدقيقة، وكيف أحتفظ بهكذا تفاصيل في الذاكرة المشغولة بأعداد القتلى و المناطق المحررة والشوارع المنكوبة   المقصوفة .. وأشكال الأغراض المكدسة في سيارة مهترئة تنقل أحلام عائلات بأسرها لتذهب بها إلى المجهول .. 

كيف استطاع حضورك المضيء أن يجتاز ظلمات الحرب ليتحول من ذكرى لامرئية إلى زلزال، لست أذكر ؟ أتذكر أنت ؟
شهرٌ كاملٌ بطوله قد مضى، منذ بدأنا الاقتراب إلى هذا الحد من التأرجح بين القتل والحياة، بين الخيبة واحتمال النصر،  بين التمسك بالعاطفة والتحليّ بالبرودة التي تكفي للحفاظ على أجسادنا من الانهيار تحت وطأة الألم السوري الخاص.

لست أذكر .. كيف تقاطعت خطانا أنا المتشحة بسوداي وأنت بثيابك اللارسمية، أنا بالطاقة الثائرة وأنت بانغماسك في مهامك .. 

كلّ ما أعرفه أن لقائنا هذه المرّة على مقاعد المدرسة .. قد علّمنا ما خجلوا يوم كنا صغارا ً أن يقولوه لنا .. 
أن الحياة مؤلمة جداً .. 
والأمل كذبة كبرى .. 
وأنه في أزمنة الحرب .. قليل من الحب يكفي ليحيي قلب الإنسان

يتبع ..

آب ، 2012