خيانات اللغة والصمت ، فرج بيرقدار

من الجيد بعد تسع شهور أن نقرأ شهادة حية لأشخاص ذاقت الاعتقال لما يفوق العشر سنوات .. لنتذكر كلما صرخنا حرية ، آلامهم وحقوقهم .. آلامنا وحقوقنا ! هذه ليست رواية ولا سرد درامي
هذا انطباع لواقع أب .. وأخ .. ومفكر وشاعر ، هذه صرخة الآلاف في سوريا .. قد لا يكون الأول في بلادنا لكن علينا أن نسعى سويا كي لا نقرأ قصصا كهذه في سوريا الجديدة ..
بعض ما اخترته لكم من الكتاب ..


باسم الحرية المغدورة في وطني منذ أكثر من ثلاثين موتاً طارئاً أو عرفيا ً
باسم المحرومين منها ، ماديا ً ومعنويا ً ، جسدا ً أو فكرا ً أو روحا ً
باسم ابنتي ، التي لاتستطيع أن تخون طفولتها وتصدق الشعارات التي يرغمونها على تردادها في المدرسة كل صباح ،
أعلن بوصفي إنسانا ً وشاعرا ً وسياسيا ً أن الحرية هي القيمة الأسمى في فلسفة التاريخ
وأني ضد من يقف ضد الحرية ، حتى لو كان المعني أنا أو حزبي
القمع السافر والمعمم هو العدالة الوحيدة التي يجهد حكامنا في تطبيقها على المحكومين
وأنا لا أتلاعب بالألفاظ حين أقول أن السائد في سوريا هو قانون القوة لا قوة القانون


أليس أمرا ً مضحكا ً إلى حافة الجنون ، مؤلماً حتى البكاء ، أن تطبق الأحكام الاستثنائية على الجماهير وقواها السياسية ، فندخل قاعة محكمة أمن الدولة ، في الوقت التي تدخل فيه إسرائييل قاعة المفاوضات ؟


مرة أخرى باسم الحرية هذه الكلمة الموسيقى هذه الروح القدس ، أعلن أن اعتقال أي شخص سلاحه الكلمة وليس البندقية هو بالمعنى الأخلاقي ممارسة اجرامية صافية السلالة ،
هو خرق لإنسانية الإنسان بالإطلاق قبل أن يكون خرقا ً بالمعنى الحقوقي لقوانينه ودساتيره
أن دولة تعتبر فيها الكلمة جريمة يحاكم عليها المرء هي دولة عير جديرة بالحياة ولا حتى بالدفن

وبشكل خاص ذلك الطراز من الدول التي تفترس فيها الكلمة بالسياط والبنادق والزنازين



أنتم لم تشاهدوا كيف تتكسر البروق في عيني أم تزور ولدها بعد أكثر من خمس سنوات على اعتقاله ولم تعرفوا ما يعنيه بكاء تلك المرأة التي زارت ذلك السجين بعد أكثر من عشر سنوات على وجوده في ذلك البرزخ الملون . كان هو لا يتمالك نفسه من تكرار ندائه : يما كيفك يما مالك يما ، جاوبيني أيش في يما
وكانت هي تختنق بالنشيج وتظل عاجزة عن إخباره بأنها أخته وأن أمه .... !

هذا الذي نكتب فيه ليس حبرا ً بل دم ولغت فيه قوانين الديكتاتورية وخوضت في حرماته أشرس أجهزتها فإية كوابيس هذه التي أسميها بلادي ؟!


شكرا ً لأمي علمتني أن الحرية التي في داخلنا أقوى من السجون التي نحن في داخلها ولهذا سوف تنتصر الحرية وتنهزم السجون
ما من سجين يضمر ما هو أدنى من الحرية

انتصار أنقى من الدمع وأغلى من الدم .. فلنغسل جراحنا وعذاباتنا على مهل على مهل .. ولا بأس أن نبكي قليلا ً ونحن نرقب نجمة الكرامة تشق عباءة ليل طويل من الذل وترتفع ..

وأنت ليس لك إلا أن تقبض بيديك على جمر الحلم وتطأ بقدميك على جمر الواقع وفي صدرك جمر كثير يحرس قلبك في الليل ويوقظه في الصباح ، لكي لا تنسى إن الله ليس شيئا ُ آخر غير الغياب في أقصى تجلياته ..

أعرف مسبقا ً أنكم ستحاولون تكذيبي بطريقة ما ولسبب ما .. على الأقل تهربا ً مما يمكن أن يرتبه عليكم تصديق مثل هذه الأمور من تبعات وجدانية وأنتم تريدون أن تنامو بأمان
ولكن هل تنامون بأمان حقا ً ؟!
كثيرا ً ما أسأل نفسي هذا السؤال .
أحيانا أفكر أن الفارق بيننا كسجناء كاملي العضوية وبينكم كسجناء مرشحين او احتماليين هو في موقع الكابوس وليس في وجوده أو عدمه
بالتسبة إلينا فإن الكابوس في داخلنا
أما أنتم فإنكم داخل الكابوس


الديكتاتورية عندنا لم تنهزم ، وهذا وحده جدير بأن يضحّي المرء بأشياء كثيرة لمواجهته .

الا ترى الأمر مضحكا ً ، عندما تحاول إقناع سجين بأن الحرية تدق أطنابها في سورية ؟

لا يسمحون لك حتى بمرارة الاختيار بين لحمك وحلمك
إنهم يريدون الاثنين ، يريدونك مسلوخا من الداخل والخارج في آن معا ً .. مهزوما ً من رأس مستقبلك حتى أخمص ماضيك
يعرفون أنه ما لم تنهزم أنت .. بروحك وقصائدك ونبوءاتك ، فإن جميع الهزائم الأخرى تبقى غير نهائية .

دون المرأة .. بدون أطيافها وأصدائها أو رائحتها على الأقل ، لايكون الرجل إنسانا ً . أعني لا يكون إنسانا ً كامل المعنى


قبل الثورة كنت سأشعر أمام هذا الكتاب بالخجل ، اليوم أشعر بالمسؤولية .

لتحميل نسخة إلكترونية من هنا وشراء نسخة ورقية من هنا