أي طريق لا يعيدني إليكِ لا يعوّل عليه
* * *
خارج حلب كل الحلول تولد من سخافة الهروب نحو الأمام.  
في حلب، لم نكن لنغير المدينة إن خسرنا حبيبا ً فيها ! لما كرهناها كلما اجترعنا كراهيته
لم نكن لنغير المدينة كحل لأصغر المشاكل وأكبرها ، لم نكن لنبحث يوميا ً عن بيت جديد يشبه بيتنا ، في حلب كان هناك بيتنا
في حلب لاشيء نتذكره كان خارق الجمال، ولكنها كانت مدينتنا وكنا نألفها حتى بشوارعها التي لا نحفظها،
أما هنا ، فلديهم على كل منعطف .. لافتة مستفزة تشير إلى الطريق إلى حلب .. مكتوبة بلغة أخرى !
كل ما في تفاصيل المكان، مدينة نحاول ان نجعل منها حلبا ً ونفشل وتفشل المدينة
ونعيد التجربة
وكلما أزعجتنا مدينة ما، حملنا غربتنا في داخلنا ورحلنا نحو مدينة جديدة نحاول أن نجعل منها حلبا ً .. وتعرفون نهاية هذه القصة  
*  * *
- أنا اتوب عن حبك انا ؟
- أجل ! لاحلول أخرى في الأفق
* * * *
خارج حلب، كل السعادة تحتاج طقسا ً احتفاليا ً
ثياب خاصة للسعادة ، علينا أن نستنشقها ونشربها ..
نغني القدود بصوت أعلى علّ الصوت يصل هناك
نضحك بصوت أعلى .. "قد يقول البعض بأن ضحكنا مفتعل ، لا يهم" ، نخجل بعدها أن يصل صوت الضحك إليها مدينتنا وتعتقد أن نسينا موتنا هناك
خارج حلب .. كل ما هو يدور فيها.. مضخما مضخما مضخما ً
وبلا معنى

* * * * * *
رحلت من حلب على دفعات، في الفترة الأولى كان عليّ الا أنام في منزلي ، غرفتي " ذات السرير الطفولي" والمكتبة التي فيها صورة مخجلة من أيام المراهقة لبريتني سبيرز !
 لم أحزم أي شيء .. كنت أعتقد أنني سأعود
بعدها كان علي ّ ألا أزور المقبرة ، القبرين المختلفين للدقة ..
ثم بعدها بشهور أن أودع بيت أختي وبيوت الأصدقاء
سنة مرت ! كنت في جزء آخر من حلب .. كنا نذهب إلى الخط الأول لنلقي على حلبنا الأخرى السلام ! كان ذلك كافيا ً
رحلت بعدها من حلب الشرقية أيضا ً ..
لم احزم أي شيء .. كنت أعتقد أنني سأعود
لي مكتبة في كل منزل ، والكثير من الثياب تليق بفتاة أخرى .. اعتدت أن أكونها

* * * *
لي حنين لـحلب " زمانية " لا "مكانية"
أدرك أنني مهما حاولت .. لن أعود

* * * *
مدينة واحدة حتى الآن كدت أن أحبها ، مدينة واحدة تمنيت لو ان لا مدينة أخرى تسكنني لعشقتها
مدينة واحدة ترددت في المطار للحظات وتمنيت أن أعتنقها
لاشيء فيها يشبه حلب، لاشيء فيها يحمل من ذاكرة حلب أي رائحة
ولذلك ربما خفت أن أقع في حبها ، فهربت سريعا ً
جبانة أيضا !

* * * *
مزعجة الخيارات التكنولوجية التي يعتقدون أنها ذكية ،
رويدا ً رويداً ، تمطرك بالإعلانات .. وأسعار بطاقات الطيران
وتفكر مرارا ً بالعودة إلى هناك، تتحول عادةً يومية .. دراسة الاحتمالات !  .. وتقنع نفسك أن ما يمنعك هو صعوبات "لوجستية"
وحلب

* * * *
أي طريق لا يعيدني إليك َ لا يعوّل عليه


- مطار اتاتورك ، 25-06-2016 



دارسة " هداك الفرع "

 العام 2013، كان العام الذي ذهبت "او هكذا يفترض " لدراسة الماجستير. كانت المرة الأولى التي أغادر فيها بيتنا دون عودة، رفضت أن أحزم مكتبتي وثيابي .. تركتها هناك مكدسة ! سنرجع يوما إلى حينا" كم تصيبني هذه الأغنية بالتشاؤوم .
خلال الأسبوع الأول كان عليّ ان أختار المواد التي سأدرسها، كقادمة من سوريا كان من البديهي لي أن أختار دراسة " المجزة" ، ومادتين في العدالة الانتقالية ! لم اكن بعد أعرف ما سيحمله هذا المفهوم من أبعاد على البلد ! كان مفهوما ً غامضاً "مخصصا كما يقول وصف المواد الدراسية للبحث عن الوصول للعدالة في الدول التي حصلت فيها انتهاكات جسيمة في حقوق الانسان" .

كانت الدراسة فيها غنية جداً بالتحديات والأسئلة والمصطلحات، الكثير الكثير من المصطلحات "مشاركة الضحايا " ، "جبر الضرر" ، "إصلاح المؤسسات"، الكثير من النهايات المفتوحة والجدالات! ما يعتبره بعض الباحثون تجربة ناجحة في العدالة الانتقالية يصّر البعض الآخر على أنها فشلت فشلا ً ذريعا
الكثير من الأسئلة التي لا تنتهي حول كيف نقوم بتحديد من هو الضحية ؟ وكيف يتفق المجتمع على حقيقة واحدة ؟ هل هذا ممكن ؟
بعض المصطلحات لم أعرف ما المقابل لها باللغة العربية والذي يفي المعنى بدقة، هل الاعتراف هو بديل جيد لترجمة Recognition ؟ ما هو الترجمة المناسبة لـ acknowledgment  ؟
واستطيع التفكير اكثر واكثر بعدد من الكلمات لازلت أبدو في غاية الاصطناع والتبجح في نقاش ما عندما تخذلني معرفتي استعمال المصطلح العربي لها !

اخترت سؤال "الحقيقة وتحدياتها في سوريا" كعنوان لأطروحة الماجستير الخاصة بي، لم أخرج بنتائج مهمة، كيف نستطيع إيجاد حقيقة واحدة يجمع عليها السوريون أو يتوافقون عليها ؟ وإلى أي حد نعود في إعادة صياغة التاريخ الذي نعرفه لبلدنا !
كانت الدراسة رغم كل شيء، مفيدة جدا ً ! عندما عدت إلى تركيا ومنها إلى سوريا، كانت في خضم موضة " العدالة الانتقالية " وقبل أن تتلوها دورات التفاوض وبعدها الحوار وبعدها بناء السلم الأهلي .. وذلك طبعا ً قبل أن تغزونا الفكرة المقرفة " بحياد المجتمع المدني"
ولربما تحمست للفكرة وحضرت دورة أو دورتين عن العدالة الانتقالية، كان الموضوع مختلفا ً جدا ً عما توقعته  
تتم تلك الدورات في جو من الرفاهية "الفكرية " و"المكانية" وفي جو من اليقين، لا من الأسئلة.
بدأت البدايات بالتركيز على تجربة "جنوب أفريقيا"، والعفو الجميل ! لا أحد أراد الخوض بالفارق بين الانتهاكات وحجمها وامتدادها وتعقيدها وحتى وإن قبلنا طبعا ً ان ندرس التجربة بعمق، فلا أحد أراد الحديث عن دور الإسلام في العدالة الانتقالية في التجربة السورية،  حيث أن الكنيسة في جنوب أفريقيا لعبت دورا يكاد يكون أساسياً في تجربة جنوب أفريقيا مع العفو "المنشود"
عندما بدأ يبدو جليا ً أن لا عفو قريب، أو عالأقل ليس اختيارياً، وبدأ النظر إلى التقسيم على أنه الحل ! أشبعونا بالحديث عن البوصنة
يومها قمت بإعداد تجربة بسيطة ، محاولة أن أوصل أن ما نفعله في هذه التدريبات هو أبعد ما يمكن عن أن يكون " استشارات مجتمعية"، وأننا نقوم عمدا ً بإحراق مصطلح مهم ، أو لعله سيكون الأهم في المرحلة القادمة في سوريا
فتحت نشاطاً على الفايسبوك بعنوان " عندما تسمع عدالة انتقالية بم تفكر ؟ "

 كانت الاستجابة سيئة جداً، كما هو المتوقع ! تراوحت الإجابات بين أجابات جديّة جدا ً من الحقوقيين والسخرية واتهامات الفساد وذكر اسماء فنادق الخمس نجوم

لكن هذا كله، وخصوصا ً اليوم، حين يكتب لنا لؤي حسين عن حق "بشار الأسد" في الترشح . ويخرج إلينا ديمستورا بخطة تشارك السلطة مع الأسد.
هناك الكثير الكثير من الأسئلة .. أود أن أضع ببالي ان أطرحها للنقاش !
أكتب منها كي لا أنسى وكي التزم بالكتابة عنها :
1- ما الذي يحضره الضحايا إلى الطاولة وأين هم ؟
2- ما نوع العدالة الذي نريده في سوريا ؟
3- ما هو الاعتراف ، التمييز ، ولماذا الحياد هو إساءة للعدالة الانتقالية ؟
4- شو الفرق بين العدالة الجنائية والعدالة الانتقالية ؟





لا أفهم في كرة القدم ! ورغم صعوبة أن أعترف كمعظمنا أن هناك ما لا أفهم فيه ! لكن هذه الحقيقة التي لا تقبل الشك ! يثبتها السؤال الأول الذي أسأله عموما هو أي فريق عليّ أن أشجع؟ والسؤال الثاني ما هون لون ثيابه؟ وبعدها قد أبدي بعض الملاحظات "السيئة " على جمال اللاعبين !
في المباراة الأكثر توتراً وجدية وشهرة بين الأصدقاء، أكون عادةً مع الفريق الذي يشجعه من أحب ! إن كان من أحب مع برشلونة فأنا حتما ً اشجع برشلونة ! وإن كان مع ريال مدريد ! فإذا ريال مدريد فريقي المفضل !

المشكلة عندما ابتدأ هذا الموضوع في "التشجيع " يتحول لظاهرة سياسية وحقوقية وأخلاقية تتعلق في مواقفنا من كل الأشياء!

أنت مع داعش ولا مع النظام فيما يتعلق بموضوع " تدمر" ؟
وأحاول أن أكبت السؤال  السخيف ؟ شو لابسين ؟  وأي فريق يجب أن أشجع !

لست أدري متى استحلنا أحاديي التشجيع ! في ثنائية مع الفريق وضد الفريق الخصم !
هل أستطيع أن أشجع الحكم ؟ أن أشفق على الأرض ؟ على اللعب غير الجميل ؟ على الرؤوس المقطعة أيا ً كان قاطعها ؟ أشفق عليه وعلينا وعلى الجسد البشري المستباح هناك ؟

كيف نستطيع أن نختار ؟ بين من يقتلك أو يقتلك ؟ بين من يسلبك بعض حقوقك ومن يسلبك بعض حقوقك الأخرى ؟ وبأي حق نحن المرتاحون قليلا ً نستطيع أن نفرح لأحداها ؟ لا فرح إن أخذت داعش مدينة ولا إن استردها بشار الأسد !
أنا التي لا أستطيع أن أحيا مع كليهما ! هلق استطيع أن أعلن ذلك ؟ أن لا فرح لنا .. بمن دمروا أثار تدمر، ولا بذاك الذي حولها إلى ذاكرة ملآى بالتعذيب !

لم علينا أن نفرح أساساً ؟ وكل الأسئلة التي هناك مطروحة وتحتمل بعضا ً من الحقيقة الفاجعة !
نعم ستقضي داعش على أي فرصة " للحضارة والتراث"، وستأدلج أطفالنا على العنف ! ولكن من قال أن الحضارة هي محض أبنية وأن النظام السوري يستطيع أن يقتل بشكل " حضاري" ما استطاع من الناس .
وإن كان ذلك ممكن الحسم على صعيد تدمر وحدها ،" رغم اني استبعد ذلك تماماً" ! فكم يصبح الأمر أكثر تعقيدا ً إذا فكرنا به على الأرض السورية كلها ..وبالإضافة لذلك عامل الزمن ! فهل الأخطر أن تتمدد داعش لتربي  جيلا ً جديدا ً ؟ أم أخطر أن يستعيد النظام سيطرته لتضيع التضحيات هباء ونعود إلى حكم الديكتاتورية التي لن ينترعها أحد !

وقبل أن نسأل كيف ؟ ربما علينا أن نسأل لم ؟
لم لا نستطيع أن نقول أننا خارج هذه الفرق ! نحن المظلومون منهما كليهما .. او للأدق منهم كلهم !
نحن الذين خذلنا تدخل سمير قنطار ، ولكننا ضد أن نهلل لاسرائيل لقتله
نحن الذين يحزننا على حد سواء ، سقوط تدمر بيد داعش واستعادتها بيد النظام
نحن الذين لازال لدينا مساحة حمقاء من الأمل بأن نعتقد أن هناك ما هو خارج الفريقين لنؤمن به،
نحن الذين لا يهمنا كم يبدو اللاعبون شبيهين بنا !فلن نهلل لهم طالما أنهم يعتنقون العنف !

نحن المعنيون في أرض اللعب ومستقبلها !